العربية الفصحى / C1
الخبز على المائدة
قلت لمحمد بن أبي المؤمل: «أراك تُعدّ الطعام وتدعو إليه، وتنفق المال في إجادته والإكثار منه، ثم تضنّ على المائدة بالخبز. وليس بين قلته وكثرته من التوفير ما يستحق الذكر، غير أن الناس يصفون بالبخل من قلّ خبزه حتى بدت المواضع الخالية من مائدته.»
ثم قلت له إنه لو أعفى نفسه من كل هذه الكلفة، وأكل وحده كما يفعل كثير من الناس، لعاش سالمًا من أحكامهم؛ فلا يحمدونه على سخاء ولا يذمونه لبخل. أما وقد بذل المال النفيس، وتجشم إعداد المآدب، فلا بد أنه يرجو بذلك ذكرًا حسنًا وشكرًا أو أجرًا. فما باله يُفسد، بامتناعه عن نفقة يسيرة، ما أنفق عليه الكثير؟
«لقد صرنا نرضى لك بالنجاة من الذم، بعدما كان يُنتظر أن تكسب الحمد. فزد في الخبز قليلًا، يتبدل اللوم شكرًا، وتتحول المذمة إلى ثناء. انظر في هذا الأمر، رحمك الله.»
فقال: «يا أبا عثمان، إنك لتخطئ، وخطأ العاقل قد يكون عظيمًا، وإن كان عذره فيه قليلًا؛ لأنه لا يخطئ جزافًا، بل بعد تفكير وتدبير. وعلى قدر ما يتكلف من النظر قد يبتعد عن الصواب. وأنا لا أشك أنك نصحتني بما بلغ إليه رأيك، لكن الذي أصنعه أدلّ على سخاء النفس بالطعام، وعلى الحرص على أن يستكثر منه الضيوف.»
وعلل ذلك بأن الخبز إذا كثر على المائدة أورث النفس نفورًا، وأن ما يملأ العين يملأ الصدر أيضًا، فتهدأ الشهوة ويضعف الإقبال. وضرب مثلًا برجل يجلس أمام أكوام من أجود التمر والكمثرى والموز: فليس مضمونًا أن يأكل أكثر مما يأكل لو قُدّم إليه شيء من ذلك في طبق نظيف يحمله خادم نظيف وعليه منديل نظيف. حسن التقديم، في رأيه، أنفع من وفرة تزدحم بها العين.
ثم قال: «وأصحابنا يعرفوننا ويأنسون بنا. يعلمون أن الطعام لهم أُعدّ، وأن أكلهم إياه أحب إلينا من أن يعبث به الخدم والأتباع. ولو احتاجوا إلى خبز لطلبوه ولم يحتشموا. وأقل ما ينبغي أن يفعلوه أن يجربوا الطلب مرة أو مرتين قبل أن يحكموا علينا بالبخل. فإن خجلوا، بعدما بسطنا لهم الوجوه، وأساءوا الظن مع ما يرون من التكلف لإكرامهم، فقد تجنّوا علينا. وليس في طاقتي إرضاء متجنٍّ ولا ردّ متسرع عن حكمه.»
قلت: «قد رأيت أكلهم في منازلهم وعند إخوانهم، وفي أحوال شتى، وقارنته بأكلهم عندك، فوجدت تفاوتًا بيّنًا. ولنسلّم بأن الضعف يغلب عليهم وأن سوء الظن يسرع إليهم؛ أفلا تداوي ذلك بما لا مؤونة فيه؟ فإن لم تفعل، فدع دعوتهم والإلحاح عليهم في الحضور. إنهم لا يُلقون بأنفسهم عليك، وإنما يجيئون لأنك تستدعيهم وترغب في مجيئهم.»
هنا انتقل محمد إلى حجة أخرى. قال إن الخبز الكثير لا يسلم ما يفضل منه من التلطخ بالدهن، وإنه لا يحتمل منظر الرغيف المتسخ، كما يستحي من إعادته إلى المائدة. وبذلك يذهب الفائض سدى، والله لا يحب الباطل ولا إضاعة النعمة.
قلت: «إن من الناس من يمسح هذا الخبز ثم يصنع منه ثريدًا، فيفتّه ويبلّله بالمرق. فلو أخذت بطريقتهم، تحقق لك ما تريد وتحقق لنا ما نريد.»
قال: «أفلست أعلم ممّ صُنع ذلك الثريد؟ وكيف أمنع نفسي من تذكر أصل الخبز والتفكير فيما أصابه؟ ثم إن مسحه ودلكه يذهبان بما علق به من الدسم. وقد يكون الخبز الخشن النظيف أهون على النفس من هذا الأبيض الملطخ.»
ولم يكن تحويل الفائض إلى أهل بيته، في نظره، حلًّا. فأهله عنده فئتان: فئة يُجلّها عن أن يقدم إليها تلك البقايا، وأخرى لم تبلغ من المنزلة ما يجعلها أهلًا للترف بالخبز الأبيض الجيد.
قلت له: «فاجعل خبزك كله من الخشن. إن فضل الأبيض عليه في الحسن والطيب لا يعدل الفرق بين الحمد والذم. أيكون منظر الأرغفة عندك أعظم شأنًا من منزلة صاحب المائدة عند ضيوفه؟»
فقال إن عنده رأيًا أعدل من ذلك وأقرب إلى الاعتدال: يُحضر الخبز الزائد في طبق، ويضعه قريبًا حيث تناله الأيدي، فلا يُضطر أحد إلى أن يسأل عنه. وهكذا يبقى الخبز حاضرًا من غير أن يزدحم به موضع الطعام.
قلت: «إن الذي يمنعهم من طلبه هو نفسه ما قد يمنعهم من تناوله من ذلك الطبق. فأطعني وأخرج هذه الزيادة من مالك على أي وجه شئت. واعلم أن طول هذه الموازنة والمذاكرة قد أضرّ بنا أكثر مما أردتُ نهيك عنه.»
وجاء وقت الغداء. وكان محمد جهير الصوت، يميل إلى تفخيم الكلام والمبالغة في إبانة حروفه. فنادى خادمه مبشرًا:
«يا مبشر، هات من الخبز تمام عدد الرؤوس!»
رغيف لكل جالس؛ ذلك ما انتهت إليه المباحثة كلها.
قلت: «ومن فرض عليهم هذه الفريضة، وحدّد لهم هذا المقدار؟ أرأيت إن لم يُشبع أحدهم رغيفه؟ لا بد أن يعتمد على رغيف صاحبه، أو ينصرف وفي نفسه بقية من الجوع، أو يمسك يده منتظرًا ما قد يأتي بعده. فقد عاد الأمر إلى ما كان عليه، وبطل كل ما تناظرنا فيه.»
فقال: «لا أرى إلا أن ترك الطعام بالكلية أهون علينا من هذه الخصومة!»
قلت: «هذا ما لا شك فيه. لقد قلتَ الصواب، واحتطت لنفسك، إن التزمت بما تقول.»
English summary · includes the ending
The narrator asks Muhammad ibn Abi al-Muammal why he serves expensive food but so little bread. A few extra loaves would cost very little and protect his reputation for generosity. Muhammad argues that too much bread reduces the guests’ appetite. He says they can always ask for more.
The narrator replies that these same people eat more freely elsewhere. Muhammad then admits that he dislikes wasting bread left dirty after a meal. Suggestions for using the leftovers or serving cheaper bread bring further objections. He finally offers to keep extra bread nearby, but still away from the main table.
After this long discussion, lunch arrives. Muhammad loudly orders exactly one loaf for each person. The narrator points out that anyone who needs more must still ask or take someone else’s share. Muhammad says he would rather give up meals altogether. The narrator agrees—if he really means it.
A new Modern Standard Arabic adaptation for LEJRBÅL of the complete bread-table dialogue with Muhammad ibn Abi al-Muammal in Al-Jahiz’s public-domain Al-Bukhala. Editorial title; separate surrounding anecdotes are not included.
Read the source