العربية الفصحى / B2
الخبز على المائدة
قلت لمحمد بن أبي المؤمل: «أراك تنفق مالًا كثيرًا على إعداد الطعام وتقديمه للضيوف، لكنك تضع على المائدة قليلًا من الخبز. ماذا توفر بذلك؟ الفرق في الثمن بين القليل والكثير ليس كبيرًا. ومع ذلك، فإن الناس إذا رأوا الخبز قليلًا وصفوا صاحبه بالبخل.»
وأوضحت له أنه لو أكل وحده، من غير كل هذا الاستعداد ودعوة الناس، لما حكموا عليه بكرم ولا ببخل. لكنه يبذل الجهد والمال في إعداد الطعام ليشكره الناس ويمدحوه. فلماذا يضيع هذا كله بسبب أرغفة قليلة؟ زيادة بسيطة كافية لتحويل كلام الناس من اللوم إلى المدح.
قال محمد: «أنت مخطئ يا أبا عثمان. وأنا أعرف أنك تريد نصحي، لكن العاقل قد يخطئ أيضًا. ما أفعله دليل على السخاء، لا البخل. إن كثرة الخبز على المائدة تملأ العين، وما يملأ العين يملأ النفس ويضعف الرغبة في الأكل.»
ثم أخذ يشرح فكرته. فلو جلس رجل أمام أكوام من التمر والفاكهة، لما أكل بالضرورة أكثر مما يأكل من طبق صغير يُقدَّم إليه نظيفًا وبعناية. لذلك، فإن تقليل الخبز يشجع الضيوف على الطعام، بحسب رأيه.
وتابع: «أصحابنا يعرفون أن الطعام أُعدّ لهم. لو احتاجوا إلى خبز آخر لطلبوه من غير حرج. أما أن يسيئوا الظن بي من غير أن يطلبوا مرة أو مرتين، فهذا ظلم. لا أستطيع إرضاء من يبحث عن عيب في كل شيء.»
قلت: «لكنني رأيت هؤلاء أنفسهم يأكلون في بيوتهم وعند أصدقائهم، ورأيتهم عندك. الفرق واضح. ولنفترض أنهم يخجلون من الطلب أو يسيئون الظن بسرعة؛ ألا تستطيع معالجة ذلك بشيء قليل الكلفة؟ أنت الذي تدعوهم وتحرص على حضورهم، وهم لا يفرضون أنفسهم عليك.»
عندئذ قدّم محمد سببًا آخر: «إذا كثر الخبز، بقي بعضه بعد الأكل وقد أصابه الدهن واتّسخ. لا أطيق النظر إلى الرغيف بهذه الحال، وأستحي من تقديمه مرة أخرى. وهكذا يضيع الخبز بلا فائدة، والله لا يحب إضاعة النعمة.»
قلت له إن بعض الناس يمسحون الخبز المتبقي ويضعونه مع المرق. لكنه قال إنه سيعرف أصل ذلك الخبز، ولن يستطيع منع نفسه من التفكير فيه. كما أن مسحه يزيل الدهن الذي علق به.
أما أهل بيته، فقد قسمهم قسمين: قسم يراه أرفع من أن يأكل هذا الخبز المتبقي، وقسم لا يرى أنه يستحق الخبز الأبيض الجيد أصلًا.
قلت: «إذن اجعل خبزك كله من النوع الأسمر الأقل كلفة. الفرق بينه وبين الأبيض في الطعم والشكل أقل أهمية من الفرق بين سمعة الكريم وسمعة البخيل.»
اقترح محمد حلًّا وسطًا: أن يضع الخبز الزائد في طبق قريب من أيدي الضيوف، بدل أن يضعه على المائدة نفسها. لن يحتاجوا عندئذ إلى طلبه.
قلت له: «الحرج الذي يمنعهم من طلبه قد يمنعهم من مد أيديهم إليه أيضًا. أخرج هذه الزيادة من حسابك وانتهينا. لقد أضرّ بنا طول النقاش أكثر من الضرر الذي نحاول إصلاحه.»
فلما جاء وقت الغداء، نادى خادمه مبشرًا بصوت قوي واضح:
«هات من الخبز عددًا يساوي عدد الجالسين!»
قلت: «ومن قرر أن لكل شخص رغيفًا واحدًا فقط؟ إذا لم يشبع أحدهم، فهل يأخذ من رغيف صاحبه؟ أم يترك الطعام وهو جائع؟ أم يظل ينتظر المزيد؟ لقد عدنا إلى المشكلة نفسها، وكأننا لم نتكلم.»
قال محمد: «إن ترك الطعام كله أسهل عليّ من هذا الجدال!»
فقلت: «لا شك في ذلك. هذا هو الرأي الصحيح، إن كنت ستفعل ما تقول.»
English summary · includes the ending
The narrator asks Muhammad ibn Abi al-Muammal why he serves expensive food but so little bread. A few extra loaves would cost very little and protect his reputation for generosity. Muhammad argues that too much bread reduces the guests’ appetite. He says they can always ask for more.
The narrator replies that these same people eat more freely elsewhere. Muhammad then admits that he dislikes wasting bread left dirty after a meal. Suggestions for using the leftovers or serving cheaper bread bring further objections. He finally offers to keep extra bread nearby, but still away from the main table.
After this long discussion, lunch arrives. Muhammad loudly orders exactly one loaf for each person. The narrator points out that anyone who needs more must still ask or take someone else’s share. Muhammad says he would rather give up meals altogether. The narrator agrees—if he really means it.
A new Modern Standard Arabic adaptation for LEJRBÅL of the complete bread-table dialogue with Muhammad ibn Abi al-Muammal in Al-Jahiz’s public-domain Al-Bukhala. Editorial title; separate surrounding anecdotes are not included.
Read the source